منظر عام لميدان نقش جهان في أصفهان نهاراً

أصفهان نصف العالم بالطبيعة: ما هي أفضل الأماكن السياحية في مدينة أصفهان؟

•

إذا سألت إيرانياً عن أجمل مدن بلاده، فالأرجح أن يكون جوابه الأول: أصفهان. فهذه المدينة الواقعة في قلب إيران، على بعد نحو 400 كيلومتر جنوب طهران، ليست مجرد مدينة تاريخية، بل هي متحف مفتوح تتجاور فيه القباب الزرقاء والجسور الحجرية والحدائق والأسواق العتيقة.

ويردد الإيرانيون منذ قرون عبارة «اصفهان نصف جهان» (اِسفَهان نِصفِ جَهان)، أي «أصفهان نصف العالم»، في إشارة إلى أن من رأى أصفهان فكأنه رأى نصف جمال الدنيا. فما الذي يجعل هذه المدينة تستحق هذا اللقب؟

عاصمة الصفويين

بلغت أصفهان ذروة مجدها في أواخر القرن السادس عشر، حين اتخذها الشاه عباس الأول عاصمةً للدولة الصفوية. وقد أراد أن يجعل منها واجهة لقوة دولته وثرائها، فاستقدم المعماريين والحرفيين والفنانين، وخطط مدينة جديدة تتوسطها ساحة كبرى وتحيط بها المساجد والقصور والأسواق.

ولا تزال معظم تلك المعالم قائمة إلى اليوم، محافظةً على ألوانها وزخارفها، حتى صار عدد منها مدرجاً على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

1. ميدان نقش جهان: قلب المدينة

يُعد ميدان نقش جهان (مِيدانِ نَقشِ جَهان)، ويُعرف أيضاً بميدان الإمام، من أكبر الساحات التاريخية في العالم، إذ يبلغ طوله نحو 560 متراً. وقد أُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1979.

ويحيط بالميدان أربعة معالم رئيسية، لكل منها قصته:

  • مسجد الشاه (مسجد الإمام): في الجهة الجنوبية.
  • مسجد الشيخ لطف الله: في الجهة الشرقية.
  • قصر عالي قابو: في الجهة الغربية.
  • بوابة قيصرية: في الجهة الشمالية، وهي المدخل إلى السوق الكبير.

وفي المساء يتحول الميدان إلى متنزه عائلي، حيث تجلس العائلات على العشب، وتجوب العربات التي تجرها الخيول أطرافه، وتنعكس أضواء القباب على نوافير الماء.

2. مسجد الشيخ لطف الله: القبة التي تغير لونها

قبة مسجد الشيخ لطف الله وانعكاسها على بركة الماء
قبة مسجد الشيخ لطف الله وانعكاسها على بركة الماء

يتميز هذا المسجد بأنه بلا مئذنة ولا صحن، إذ بُني في الأصل مسجداً خاصاً للبلاط الملكي. لكن أجمل ما فيه قبته ذات اللون الكريمي، التي يتغير لونها مع تغير ضوء الشمس خلال اليوم، فتميل إلى الوردي في بعض الساعات.

أما في الداخل، فالقبة من أروع ما أبدعته العمارة الإسلامية، إذ تتداخل فيها النقوش والبلاطات بشكل حلزوني يلتقي في مركزها، وقد صُممت فتحات النوافذ بحيث يدخل الضوء فيرسم شكلاً يشبه ذيل الطاووس.

3. مسجد الشاه: بحر من البلاط الأزرق

تفاصيل البلاط الأزرق في مسجد الشاه (مسجد الإمام)
تفاصيل البلاط الأزرق في مسجد الشاه (مسجد الإمام)

يقف مسجد الشاه، المعروف اليوم بمسجد الإمام، في الطرف الجنوبي للميدان بمئذنتيه الشاهقتين وقبته الضخمة. وتكسو جدرانه ملايين من قطع البلاط الملون، يغلب عليها اللون الأزرق بدرجاته.

ومن أطرف ما يلفت انتباه الزوار صدى الصوت تحت القبة الكبرى، إذ يقف المرشدون أحياناً في نقطة محددة ويصفقون، فيتردد الصوت عدة مرات بوضوح لافت.

نصيحة: أفضل وقت لتصوير المساجد هو الصباح الباكر، حين يكون الضوء ناعماً وعدد الزوار قليلاً.

4. جسر سي وسه بل: ثلاثة وثلاثون قوساً

جسر سي وسه بل مضاءً عند الغروب
جسر سي وسه بل مضاءً عند الغروب

يعبر نهر زاينده رود (زايَنده رود) مدينة أصفهان، وتصطف عليه عدة جسور تاريخية، أشهرها جسر سي وسه بل (سي‌ُ سه پُل)، ويعني اسمه «الجسر ذو الثلاثة والثلاثين قوساً». وقد شُيد في عهد الشاه عباس الأول مطلع القرن السابع عشر.

وعلى بعد مسافة قصيرة منه يقع جسر خواجو (خاجو)، الذي يُعد من أجمل جسور إيران، وكان يُستخدم أيضاً سداً لتنظيم مياه النهر.

نصيحة: يجري الماء في نهر زاينده رود في مواسم معينة فقط، وقد يكون جافاً في أوقات أخرى من السنة. لكن الجسور تبقى جميلة في كل الأحوال، وخاصة عند الغروب حين تُضاء أقواسها.

5. قصر چهل ستون: القصر ذو الأربعين عموداً

السقف المزخرف والأعمدة في قصر چهل ستون
السقف المزخرف والأعمدة في قصر چهل ستون

يعني اسم چهل ستون (چِهِل سُتون) «الأعمدة الأربعون»، مع أن القصر لا يضم سوى عشرين عموداً خشبياً. والسر أن الأعمدة تنعكس على صفحة البركة الطويلة أمامه، فيصبح عددها أربعين.

شُيد القصر في منتصف القرن السابع عشر لاستقبال الضيوف والسفراء، وتزين جدرانه لوحات جدارية كبيرة تصور مشاهد من التاريخ الصفوي. والحديقة المحيطة به جزء من «الحدائق الفارسية» المدرجة على قائمة التراث العالمي.

6. كاتدرائية وانك وحي جلفا

السقف المزخرف في كاتدرائية وانك
السقف المزخرف في كاتدرائية وانك

في جنوب النهر يقع حي جلفا (جُلفا)، وهو حي أسسه الأرمن الذين استقدمهم الشاه عباس إلى أصفهان. وأبرز معالمه كاتدرائية وانك (ڤانك) التي تعود إلى القرن السابع عشر، وتمزج في زخارفها بين الفن الفارسي والفن المسيحي الأرمني.

ويُعد حي جلفا اليوم من أكثر أحياء المدينة حيوية، بمقاهيه وشوارعه الهادئة، وهو مكان مثالي لقضاء أمسية بعد يوم طويل من الجولات.

7. السوق الكبير والحرف اليدوية

يمتد بازار أصفهان (بازارِ اِسفَهان) من ميدان نقش جهان شمالاً عبر ممرات مقببة طويلة. وفيه تجد أشهر الحرف اليدوية الأصفهانية:

  • المينا كاري (ميناكاري): النقش بالمينا الملونة على الأواني النحاسية.
  • الخاتم كاري (خاتَم‌كاري): تطعيم الخشب بقطع صغيرة من العظم والمعدن بأشكال هندسية دقيقة.
  • القلمكار (غَلَمكار): أقمشة قطنية مطبوعة يدوياً بقوالب خشبية.
  • السجاد الأصفهاني: من أرقى أنواع السجاد اليدوي في إيران.

ماذا تأكل في أصفهان؟

لأصفهان مطبخها الخاص، وأشهر أطباقها البرياني (بِرياني)، وهو يختلف تماماً عن البرياني الهندي والعراقي، إذ يتكون من لحم الضأن المفروم المطهو يُقدم على خبز رقيق مع الريحان. أما الحلوى الأشهر فهي الگز (گَز)، وهي حلوى بيضاء طرية تُحشى بالفستق، ويحرص الزوار على شرائها هدية.

متى تزور أصفهان؟

أفضل وقتين لزيارة أصفهان هما الربيع (من آذار إلى أيار) والخريف (من أيلول إلى تشرين الثاني)، حين يكون الطقس معتدلاً ومناسباً للتجول. أما الصيف فحار نهاراً، والشتاء بارد نسبياً.

ويمكن الوصول إلى أصفهان جواً عبر مطارها الدولي، أو براً بالقطار والحافلات من طهران ومدن أخرى. ويكفي لزيارتها زيارة مريحة يومان إلى ثلاثة أيام.

عبارات فارسية تحتاجها في أصفهان

بالفارسيةالمعنى
میدان نقش جهان کجاست؟أين ميدان نقش جهان؟
بلیط چنده؟كم سعر التذكرة؟
خیلی قشنگه!جميل جداً!
گز دارید؟هل لديكم گز؟
میشه یه عکس ازمون بگیرید؟هل يمكن أن تلتقط لنا صورة؟
پل خواجو از اینجا دوره؟هل جسر خواجو بعيد من هنا؟

نصيحة: الأصفهانيون معروفون بلهجة مميزة ولحن خاص في الكلام، يمدون فيه أواخر الجمل. فإذا لاحظت ذلك، فاعلم أنك تسمع اللهجة الأصفهانية الشهيرة.

خلاصة

أصفهان ليست مدينة تُزار مرة واحدة، بل مدينة تترك في زائرها رغبة في العودة. وكلما تعلمت شيئاً من اللغة الفارسية قبل زيارتها، ازدادت رحلتك متعة، لأنك ستتمكن من الحديث مع أهلها، والمساومة في أسواقها، وفهم قصص معالمها من أفواه المرشدين.

وإن كنت تخطط لزيارة إيران، فابدأ بتعلم الفارسية العامية مع دورة أكاديمية لغتي، لتكون رحلتك القادمة إلى «نصف العالم» تجربة لا تُنسى.

شنو رأيك بالمقال؟